.png%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=1920&q=75)
لماذا معظمنا لا يعرف الإجابة؟
دعني أبدأ بسؤال غير مريح:
آخر كورس اشتركت فيه، آخر كتاب اشتريته، آخر مهارة قررت تتعلمها، آخر هدف كتبته في مفكرتك...
أنت اخترتها؟ أم رأيتها تتكرر أمامك على السوشل ميديا حتى اقتنعت أنك "تريدها"؟
هذا السؤال ليس هجوماً. هو دعوة للتوقف.
لأن الفرق بين الحياتين ( حياة اخترتها وحياة انجرفت إليها ) لا يظهر في السنة الأولى. يظهر بعد خمس سنوات حين تجلس وتسأل: لماذا أشعر بالفراغ رغم كل ما أنجزت؟
أولاً: ماذا يحدث في دماغك حين تفتح السوشل ميديا؟
لنبدأ بالعلم، لأن ما يحدث ليس ضعفاً في الإرادة هو هندسة عصبية مدروسة.
حين ترى شخصاً يشارك إنجازاً، يحصل نشاط في منطقة تسمى Anterior Cingulate Cortex — وهي المنطقة المسؤولة عن المقارنة الاجتماعية والشعور بالتهديد. دماغك، بشكل تلقائي، يقارن وضعك بوضعه.
هذه الآلية قديمة جداً تطورت لتحميك في بيئات صغيرة حيث المقارنة الاجتماعية كانت أداة بقاء. لكنها اليوم تعمل في بيئة لم تُصمم لها: بيئة تعرّضك لآلاف المقارنات يومياً مع أشخاص من كل العالم.
وهنا تبدأ المشكلة.
ثانياً: نظرية المقارنة الاجتماعية — وكيف اختُطفت منّا
عام 1954، وضع عالم النفس Leon Festinger نظريته الشهيرة Social Comparison Theory.
فكرتها الجوهرية: الإنسان يقيّم قيمته وقدراته من خلال مقارنة نفسه بالآخرين وهذا أمر طبيعي وضروري في حدوده.
لكن Festinger نفسه لم يتخيّل يوماً أن "الآخرين" سيصبحون ملايين الأشخاص، يعيشون في هاتف تحمله معك إلى السرير.
ما الذي تغيّر؟
في البيئة الطبيعية، كنت تقارن نفسك بجيرانك، زملائك، ربما بضع مئات من الناس. أما اليوم فأنت تقارن نفسك بأفضل نسخة معروضة من الجميع وهو ما يسميه علماء النفس Upward Social Comparison أو المقارنة التصاعدية.
وهذا النوع من المقارنة، حين يصبح مزمناً، له ثمن نفسي حقيقي.
دراسة نُشرت في Journal of Social and Clinical Psychology أجراها الباحث Melissa Hunt وفريقه عام 2018، وتابعوا فيها 143 شخصاً لمدة ثلاثة أسابيع. النتيجة كانت واضحة: تقليل استخدام السوشل ميديا إلى 30 دقيقة يومياً أدى إلى انخفاض ملحوظ في مستويات الاكتئاب والوحدة — حتى عند من لم يشكوا منها أصلاً.
ليس لأن السوشل ميديا شريرة. بل لأن المقارنة المستمرة تستنزف طاقة نفسية لا تدركها حتى تتوقف.
ثالثاً: "Goal Contagion" — حين تصبح أهدافك معدية
هل سمعت بمفهوم Goal Contagion أو "عدوى الأهداف"؟
هو ظاهرة موثقة في علم النفس الاجتماعي، تقول: مجرد رؤية شخص آخر يسعى لهدف ما يُنشّط في دماغك دوافع مشابهة حتى لو لم تكن تريد هذا الهدف أصلاً.
الباحثان Aarts وDijksterhuis أثبتا في دراستهما عام 2003 أن هذا التأثير يحدث بشكل لاواعٍ تماماً أي أنك لا تقرر بوعي أن تتبنى هدف الآخر، دماغك فقط يستجيب له.
الآن تخيّل هذا يحدث معك عشرات المرات يومياً وأنت تتصفح.
شخص يتعلم Python → دماغك: "يجب أن تتعلم Python." شخص يقرأ كتاباً عن الاستثمار → دماغك: "يجب أن تعرف عن الاستثمار." شخص يحصل على شهادة جديدة → دماغك: "يجب أن تحصل على شهادة."
والنتيجة؟ قائمة أهداف لا تنتهي. وشعور دائم بالتأخر. وإرهاق لا تعرف مصدره.
رابعاً: الفرق بين الإرهاق والفراغ — وكلاهما رسالة
هناك نوعان من الشعور السيئ اللذان يشيران إلى نفس المشكلة:
الإرهاق: حين تفعل الكثير لكن لا شيء منه يشعرك بالامتلاء. تنهي مهامك وتسأل: "ثم ماذا؟"
الفراغ: حين تنجز ما خططت له ولا تشعر بالرضا الذي توقعته. كأن الجائزة كانت لشخص آخر.
كلاهما رسالة من الداخل: هذا ليس هدفك. هذا هدف مستعار.
عالم النفس Edward Deci وزميله Richard Ryan بنيا نظرية كاملة على هذه الفكرة اسمها Self-Determination Theory، وخلاصتها:
الإنسان يحتاج لثلاثة أشياء ليشعر بالرفاهية النفسية الحقيقية:
الاستقلالية — أن تشعر أن خياراتك نابعة منك
الكفاءة — أن تتقدم في شيء يهمك فعلاً
الانتماء — أن تشعر بالارتباط بمن حولك
حين تسعى لأهداف مفروضة خارجياً، حتى لو حققتها، فأنت تحقق الكفاءة وتخسر الاستقلالية — ومعها يتبخر الرضا.
خامساً: الوعي الذاتي ليس ترفاً — هو أداة بقاء
دراسة نشرتها Harvard Business Review بعد بحث امتد لسنوات مع أكثر من 5000 مشارك، وجدت أن 95% من الناس يعتقدون أنهم يمتلكون وعياً ذاتياً عالياً لكن 10-15% فقط فعلاً يمتلكونه.
الوعي الذاتي الحقيقي يعني شيئاً محدداً جداً: معرفة الفرق بين ما تريده وما تعتقد أنك يجب أن تريده.
وهذا الفرق لا يظهر في الكلام. يظهر في الأسئلة التي تطرحها على نفسك.
أسئلة أتركها معك — لا للإجابة الآن، للتأمل فيها اليوم
→ ما الشيء الذي تتعلمه الآن؟ ولو سألتك لماذا ما هي إجابتك الصادقة؟
→ لو لم يره أحد، ولم يُشكّل جزءاً من "هويتك المهنية"، هل كنت ستختاره؟
→ ما الشيء الذي تريده فعلاً لكنك لم تسمح لنفسك به لأنه "لا يبدو مهماً بما يكفي"؟
→ متى كانت آخر مرة قضيت وقتاً في شيء لا يُنتج ولا يُعلّم ولا يُبنى عليه فقط لأنه يُسعدك؟
وأخيراً — الاختيار الواعي لا يعني التوقف
أنا لا أقول لك توقف عن التعلم. ولا أقول تجاهل ما يفعله الآخرون.
أقول: قبل أن تبدأ أي شيء جديد، خذ دقيقة واحدة وأجب على هذا السؤال:
"هل أختار هذا لأنه يقربني من الحياة التي أريدها أم لأنني رأيته كثيراً حتى ظننت أنني أريده؟"
هذا السؤال وحده، لو أصبح عادة، سيغير طريقة بنائك لحياتك بالكامل.
لأن الوعي الذاتي ليس تأملاً فلسفياً. هو أداة عملية تصنع قرارات أفضل، تحدد أهدافاً أصدق، وتبني حياة تشعر فيها بالامتلاء — لا فقط بالإنجاز.
سؤال أتركه معك هذا الأسبوع:
ما الشيء الذي تريده فعلاً، وأنت تعرف في داخلك أنه لك لكنك لم تبدأ به بعد؟
اكتبه في التعليقات. أنا هنا أقرأ كل رد.
إذا انتهيت من قراءة هذه النشرة وما زلت لا تعرف ما الذي تريده فعلاً أو تعرفه، لكنك عالق ولا تتحرك نحوه...
جلسة وضوح مصممة لهذه اللحظة تحديداً. نجلس معاً، نفهم ما الذي يعيقك، ونضع خطوات عملية تناسبك أنت.
رابط الجلسة
هديل | صيدلانية ومتخصصة في التوعية النفسية أساعدك تفهم نفسك قبل أن تبني حياتك


.png%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=3840&q=75)
.png%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=3840&q=75)
.png%3Fformat%3Davif%26quality%3D75&w=3840&q=75)