logo
يوليو 11, 2026

لماذا نُعامل قلقنا كخطأ يجب إصلاحه، بدل أن نسأله ماذا يريد أن يقول؟

لماذا نُعامل قلقنا كخطأ يجب إصلاحه، بدل أن نسأله ماذا يريد أن يقول؟

هد
هديل سامي
يوليو 11, 2026
لماذا نُعامل قلقنا كخطأ يجب إصلاحه، بدل أن نسأله ماذا يريد أن يقول؟

تخيّل معي هذا الموقف:

عُرض عليك مشروع جديد. فرصة جيدة على الورق. لكن بمجرد أن بدأت تفكر فيها جدياً، بدأ قلبك يتسارع، ومعدتك تنقبض، وذهنك يبدأ يبحث عن كل الأسباب التي تجعلك تُؤجل الرد.

ماذا تفعل عادة في هذه اللحظة؟

معظمنا يفعل شيئاً واحداً: يحاول أن "يهدأ" بأسرع طريقة ممكنة. يشتت نفسه، يُقنع نفسه أن لا داعي للقلق، أو يُؤجل القرار كاملاً حتى "يمر الشعور".

المشكلة أن هذا الشعور لا يزول. هو فقط يختبئ، وينتظر القرار التالي ليظهر من جديد.

اليوم أريد أن أقترح عليك طريقة مختلفة للتعامل معه.

الخطوة الأولى: توقف عن سؤال "كيف أتخلص من هذا القلق؟"

هذا السؤال بحد ذاته هو المشكلة. لأنه يفترض أن القلق عطل، وأن الحل هو إسكاته.

لكن الباحث Antonio Damasio درس لسنوات كيف يتخذ الناس قراراتهم، ووجد شيئاً مهماً: الإشارات الجسدية التي نشعر بها - تسارع النبض، شد المعدة، توتر الكتفين - ليست ضجيجاً عشوائياً. هي طريقة الجسم لتذكيرك بتجربة سابقة مررت بها، دون أن تحتاج لاستحضارها بالكامل في ذهنك.

بمعنى أبسط: حين تشعر بالقلق تجاه قرار معين، جسمك يقول لك "انتبه، هناك شيء هنا يستحق التفكير فيه بجدية". هذه ليست دعوة للهروب. هذه دعوة للانتباه.

الخطوة الثانية: اسأل السؤال الصحيح بدل الخاطئ

بدل "كيف أتخلص من هذا؟"، جرّب أن تسأل: "ما الذي يحاول هذا القلق أن يلفت انتباهي إليه؟"

في مثال المشروع الجديد، قد تكتشف أن قلقك ليس من الفشل، بل من الالتزام بوقت لا يملكه جدولك الحالي. أو من فكرة أنك ستُقيَّم بمعايير جديدة لم تختبرها من قبل. أو ببساطة من كون هذا القرار مهماً بالفعل، ولا تريد أن تتخذه باستخفاف.

لاحظ الفرق: في الحالة الأولى كنت تُحارب شعوراً غامضاً. في الحالة الثانية أصبح لديك معلومة واضحة يمكنك التعامل معها.

الخطوة الثالثة: احذر من فخ "التفكير الزائد" كبديل عن المواجهة

هنا تكمن نقطة مهمة يوضحها الباحث Barry Schwartz في مفهومه المعروف Paradox of Choice: كلما زاد عدد الاحتمالات أمامنا، زاد خوفنا من اختيار "الخيار الخطأ"، فنبدأ نُفكر أكثر وأكثر، ونُسمي هذا "التروي".

لكن التفكير الزائد ليس تروياً. هو في كثير من الأحيان طريقة مقنعة لتأجيل مواجهة القلق نفسه. تستمر تُقلّب الخيارات، لا لأنك تحتاج معلومات أكثر، بل لأنك تُؤجل اللحظة التي عليك فيها أن تُقرر فعلاً.

الفرق بسيط: التروي الحقيقي له نهاية، وينتهي بقرار. التفكير الزائد يدور في حلقة، ولا ينتهي بشيء.

كيف تُطبق هذا على قرارك القادم

في المرة القادمة التي تشعر فيها بالقلق تجاه قرار:

توقف لحظة قبل أن تحاول التخلص من الشعور.

اسأل: ما الذي يحاول هذا القلق أن يخبرني به تحديداً؟

اكتب الإجابة في جملة واحدة واضحة، لا فقرة كاملة من الأفكار المتشابكة.

إذا وجدت نفسك تُفكر بالموضوع لأكثر من مرة دون أن تصل لتلك الجملة الواحدة، فهذا مؤشر أنك في حلقة تأجيل، لا في تروٍ حقيقي.

أسئلة أتركها معك ليس للإجابة الآن، للتأمل فيها اليوم

ما القرار الذي تُؤجله حالياً تحت غطاء "لسّا بفكر فيه"؟

لو كان قلقك يتكلم، ماذا كان سيقول لك عن هذا القرار تحديدًا؟

كم مرة استبدلت مواجهة القلق بمزيد من التفكير حوله؟

وأخيراً

القلق لا يختفي لأنك تحاربه بقوة أكبر. يختفي حين تحصل منه على المعلومة التي يحملها، فتتوقف حاجتك لسماعه بصوت أعلى.

هذا لا يحدث من محاضرة تقرأها مرة واحدة. يحتاج تدريباً، وأحياناً شخصاً يساعدك تفكك القلق المحدد الذي تعيشه الآن، بدل أن تبقى تتنقل بين الأفكار وحدك.

إذا وجدت نفسك تتعرف على هذا النمط في قرار تعيشه هذه الأيام، جلسة وضوح مصممة تحديداً لهذه اللحظة. نجلس معاً، نُفكك ما يقوله قلقك في هذا القرار بالذات، ونخرج بخطوة عملية واضحة.

رابط الجلسة

هديل | صيدلانية ومتخصصة في التوعية النفسية أساعدك تفهم نفسك قبل أن تبني حياتك